الأدب

عرش الخيبات بقلم الروائية والشاعرة حنان فاروق العجمي

كتب في : الأربعاء 26 مارس 2025 - 9:50 مساءً بقلم : حنان فاروق العجمى

 

الفصل الأول

عيِّل اسود غطيس

تَرَبَّع على عرش خيباتها فأصبح الخيبة الكبرى، لم تنهره، ولكنها نهرت نفسها على تَحَمُّله كل هذا الوقت

ضعيف الهيئة، والبنيان، هش الكلام، يتفوَّه بحقير العبارات، لا عَتَب عليه، تنضح أفكاره الملتوية فوق بعضها طبقات كطيات الثعبان ببُقع مُلوَّثة لمجتمع فاسد عاش فيه، في يوم ما بإحدى الضواحي ولد صبي وعلت صرخاته حتى وصلت كل الأحياء المجاورة، وتردد على مسامع الناس هذه المقولة " آخرة صبر الزَّبَّال عَيِّل اسود غطيس "

وأخذوا يتهامزون ويتلامزون، وتتعالى ضحكاتهم، ويسخرون من الزبال وزوجته بعد أن رزقهم الله بطفل انتظروا مجيئه بفارغ الصبر سنوات طوال، كانوا قد فقدوا الأمل فيها في أن يكون لهم ابن يكبر ويعينهم على مشاق الحياة ويساعد والده في جمع القمامة نظير الحصول على المال ليقتاتوا الفُتات به، باتوا يتحسرون واندثرت فرحتهم وسط سخرية الجيران والمعارف منهم، فالولد لا يشبه أمه أو أباه، وأخذوا يُكيِّلون لهم الاتهامات، ومن أين لهم بهذا الطفل ذي البشرة السمراء، ويتغامزون، ويتحدثون في عرض زوجة الزَّبال، الذي لم يحتمل طويلًا، ولم يحمد الله على ما رزقه بعد صبر سنوات ويأس أن يكون له ابن يحمل اسمه، وكُنيته، عقد العزم على ترك زوجته، والانفصال عنها حتى يتخلَّص من كلام الناس واتهاماتهم بسكوته عن جُرم زوجته، وارتكابها الفاحشة، صراخ كما لو قامت القيامة "يا زبال النحس اخرج من حيِّنا، ارحل ملكش مكان عندنا" وسط هذا الرعب وقذف نوافذ بيت الزبال بالحجارة وكسر الزجاج وتناثره بأرجاء المنزل كالشَّرر المتطاير الذي أخذ يَشُق طريقه بمنتهى السرعة متوجهًا نحو الصبي الأسمر وأمه الحسناء ليصاب الطفل الصغير الوليد الذي لا حول له ولا قوة في عينه فتُفقأ عينه ويدوي صراخه وعويل أمه المسكينة في جميع أرجاء المنزل الذي شهدت عيونه وجدرانه هذه المأساة وسمعت جدرانه التي اهتزت بقوة من هول الصدمة جملة الزبال الغبي

" أنتِ طالق مني يا ملعونة يا وش الخراب يا بومة، احملي ثمرة فُجرك وارحلي عني" هكذا فعل سعيد الزبال هذا الذي لم يكن يومًا سعيدًا بحياته وعندما أرسل الله له مَنْ يملأ حياته بالسعادة كفر بنعمته ونقم على حاله واتهم زوجته غالية في شرفها وأنكر نسب ابنه ونهرها وأهانها، بل لم يهتم بإصابة ابنه الرضيع البائس في عينه ولم يَحن إليه ولم تأخذه أي شفقة به ولا بأمه الملقاة على الأرض ملطَّخة بدمائها يرشق الزجاج بكل جزء ظاهر من جسدها ويسيل منه الدماء كأنها مذبحة القلعة، يفيض الدمع من عينيها المغلقتين، وكأنها لا تريد تصديق ما يحدث لها فأغلقت أهدابها عمدًا، وأصبحت جثة هامدة تنتظر مَنْ يحملها لعالم الأموات لم تشعر إلا وقد أدركت أذناها وقع خطوات هروب الندل سعيد ًوخروجه من المنزل يصيح "طلقت الخائنة....طلقت الخائنة... أنا برئ منها ومن ابنها الأسود الملعون"

يتبع....

بداية الصفحة